ابن عربي

278

الفتوحات المكية

يكن لها رجل تسعى به فصورتها لشكلها عصا صورة الحيات فلما خاف منها للصورة قال له الحق خذها ولا تخف وهذا هو خوف الفجاة إذ كان ثم قال له سنعيدها الضمير يعود على العصا سيرتها الأولى فجواهر الأشياء متماثلة وتختلف بالصور والأعراض والجوهر واحد أي ترجع عصا مثل ما كانت في ذاتها وفي رأى عينك كما كانت حية في ذاتها وفي رأى عينك ليعلم موسى من يرى وما يرى وبمن يرى وهذا تنبيه إلهي له ولنا وهو الذي قاله عليم سواء من أن الأعيان لا تنقلب فالعصا لا تكون حية ولا الحية عصا ولكن الجوهر القابل صورة العصا قبل صورة الحية فهي صور يخلعها الحق القادر الخالق عن الجوهر إذا شاء ويخلع عليه صورة أخرى فإن كنت فطنا فقد نبهتك على علم ما تراه من صور الموجودات وتقول هو ضروري من كونك لا تقدر على إنكاره وقد بان لك أن الاستحالات محال ولله أعين في بعض عباده يدركون بها العصا حية في حال كونها عصا وهو إدراك إلهي وفينا خيالي وهكذا في جميع الموجودات سواء انظر لولا قوة الحس ما قلت هذا جماد لا يحس ولا ينطق وما به من حياة وهذا نبات وهذا حيوان يحس ويدرك وهذا إنسان يعقل هذا كله أعطاه نظرك ويأتي شخص آخر يقف معك فيرى ويسمع تسليم الجمادات والنبات والحيوان عليه وكلا الأمرين صحيح وبالقوة التي تستدل بها على إنكار ما قاله هذا بها بعينها يستدل هذا الآخر فكل واحد من الشخصين دليله عين دليل الآخر والحكم مختلف فوالله ما زالت حية عصا موسى وما زالت عصا كل ذلك في نفس الأمر لم تخط رؤية كل واحد ما هو الأمر عليه في نفسه وقد رأينا ذلك وتحققناه رؤية عين فهو الأول والآخر من عين واحدة وهو في التجلي الأول لا غيره وهو في التجلي الآخر لا غيره فقل إله وقل عالم وقل أنا وقل أنت وقل هو والكل في حضرة الضمائر ما برح وما زال فزيد يقول في حقك هو وعمرو يقول عنك أنت وأنت تقول عنك أنا فإنا عين أنت وعين هو وما هو أنا عين أنت ولا عين هو فاختلفت النسب وهنا بحور طامية لا قعر لها ولا ساحل وعزة ربي لو عرفتم ما فهت به في هذه الشذور لطربتم طرب الأبد ولخفتم الخوف الذي لا يكون معه أمن لأحد تدكدك الجبل عين ثباته وإفاقة موسى عين صعقته انظر إلى وجهه في كل حادثة من الكيان ولا تعلم به أحدا أيها التابع المحمدي لا تغفل عما نبهتك عليه ولا تبرح في كل صورة ناظرا إليه فإن المجلى أجلي ثم أخذ بيده البرجيس وجاء به إلى صاحب النظر فعرفه ببعض ما يليق به مما علمه التابع من علم موسى بما يختص من تأثيرات الحركات الفلكية في النشآت العنصرية لا غير فارتحلا من عنده المحمدي على رفرف العناية وصاحب النظر على براق الفكر ففتح لهما السماء السابعة وهي الأولى من هناك على الحقيقة فتلقاه إبراهيم الخليل ع وتلقى صاحب النظر كوكب كيوان فأنزله في بيت مظلم قفر موحش وقال له هذا بيت أخيك يعني نفسه فكن به حتى آتيك فإني في خدمة هذا التابع المحمدي من أجل من نزل عليه وهو خليل الله فجاء إليه فوجده مسندا ظهره إلى البيت المعمور والتابع جالس بين يديه جلوس الابن بين يدي أبيه وهو يقول له نعم الولد البار فسأله التابع عن الثلاثة الأنوار فقال هي حجتي على قومي آتانيها الله عناية منه بي لم أقلها أشرا كالكن جعلتها حبالة صائد أصيد بها ما شرد من عقول قومي ثم قال له أيها التابع ميزا المراتب واعرف المذاهب وكن على بينة من ربك في أمرك ولا تهمل حديثك فإنك غير مهمل ولا متروك سدى اجعل قلبك مثل هذا البيت المعمور بحضورك مع الحق في كل حال واعلم أنه ما وسع الحق شئ مما رأيت سوى قلب المؤمن وهو أنت فعند ما سمع صاحب النظر هذا الخطاب قال يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين وعلم ما فاته من الايمان بذلك الرسول واتباع سنته ويقول يا ليتني لم أتخذ عقلي دليلا ولا سلكت معه إلى الفكر سبيلا وكل واحد من هذين الشخصين يدرك ما تعطيه الروحانيات العلى وما يسبح به الملأ الأعلى بما عندهما من الطهارة وتخليص النفس من أسر الطبيعة وارتقم في ذات نفس كل واحد منهما كل ما في العالم فليس يخبر إلا بما شاهده من نفسه في مرآة ذاته فحكاية الحكيم الذي أراد أن يرى هذا المقام للملك فاشتغل صاحب التصوير الحسن بنقش الصور على أبدع نظام وأحسن إتقان واشتغل الحكيم بجلاء الحائط الذي يقابل موضع الصور وبينهما ستر معلق مسدل فلما فرع كل واحد